بسم الله الرحمن الرحيم
يقولون دائماً في الأمثال والمشاعر الدارجة إن "الغيرة بهار الحب"، وأن الشخص الذي لا يغار لا يحب. وفي بدايات العلاقات، قد تبدو تلك الغيرة البسيطة لطيفة ومحببة وتدغدغ المشاعر، حيث تُشعر الطرف الآخر بـ قيمته وأهميته.
ولكن، تبي تدري وين المشكلة بالضبط؟ المشكلة تكمن في ذلك الخيط الرفيع جداً والشفاف، الذي إذا تم تجاوزه، تحولت الغيرة من أداة اهتمام دافئة إلى سجن مظلم يسمى "حب التملك".
لماذا يصاب الشخص المتملك بهستيريا السيطرة على شريكه؟
عندما نرى شخصاً يراقب أنفاس شريكه، ويتحكم في غيابه وحضوره، وربما يصله الأمر إلى مرحلة "الهوس الرقمي والعاطفي"، فإن أول سؤال يتبادر إلى أذهاننا هو: وش السالفة؟ وش اللي يخلي إنسان عاقل يتحول إلى رادار مراقبة بشرّي؟
اسبابه :
1- الشعور بالنقص
الجذر الأول والأقوى لهذا الهوس هو شعور المتملك الداخلي بأنه "غير كافٍ" أو أقل من شريكه.
في عمق لا وعيه، هو يرى الشريك كجائزة ثمينة لا يستحقها، وعشان كذا، يعيش في رعب مستمر من أن يصحو الشريك يوماً ما ويكتشف هذا النقص فيرحل هذا الهوس بالسيطرة هو محاولة بائسة لـ "تغطية" عيوبه الذاتية وتقييد الشريك حتى لا يرى ببدائل أخرى في العالم الخارجي ، يعيش في انعدام ثقه مرعب بينه وبين نفسه! ، كيف سيثق بشريكه؟
2-رعب الهجر والفقدان
المصابين بهوس التملك يحملون في حقائبهم النفسية صدمة قديمة تسمى "خوف الهجر" (Fear of Abandonment).
قد تكون الصدمة ناتجة عن إهمال عاطفي في الطفولة من الوالدين أو بسبب خيانة وغدر تعرض لها في علاقة سابقة وكسرت ظهره. هذا التاريخ المؤلم يجعله يترجم أي مساحة حرية يطلبها الشريك (مثل الخروج مع أصدقائه أو الانشغال بهواية) على أنها خطوة أولى نحو الرفض والترك. هو لا يحارب الشريك، بل يحارب أشباح ماضيه!
3-نمط الارتباط القلق
هذا الشخص لا يستطيع تنظيم مشاعره أو الشعور بالأمان بمفرده سيشعر انه يفتقد شيئا وعندما يكون الشيء هو الشريك ، يكون سببه اعتياد وجوده وهوس المتملك بهاذا الوجود ، الأمان عنده مرتبط 100% بوجود الشريك تحت عينه طوال الوقت إذا غاب الشريك أو تأخر في الرد، يشتغل "سيستم القلق الجسدي والنفسي" عنده، ولا يهدأ هذا الجنون إلا برؤية الشريك أو سماع صوته،
4- الحب المريض(love sick)
في عقل المتملك المهووس، الشريك ليس مجرد شخص يحبه، بل هو "محور الوجود" والسبب الوحيد الذي يجعل الحياة قابلة للعيش هو يرى شريكه كـ لوحة زجاجية نادرة وفائقة الجمال ويشعر أن العالم الخارجي مليء بالبشر الأغبياء الذين قد يكسرون هذه اللوحة أو يسرقونها منه ولايريد ان يرى احد تلك اللوحه ويقترب منها غيره . لذلك، شعوره الداخلي دائمًا هو: "بس انا أحميك ، وأحميك حتى من نفسك".
1.عندما يتحول الشريك إلى صك ملكية
في علم النفس، هناك فرق جوهري بين الغيرة الطبيعية والغيرة المرضية التملكية:
الغيرة الطبيعية: تنبع من الخوف العفوي من فقدان من نحب، وهي مشاعر إنسانية لا وعية تحركها العاطفة.
حب التملك: لا ينبع من الحب، بل ينبع من "الأنانية وحب السيطرة والهوس والخوف ". هنا، يبدأ الشخص بالتعامل مع الطرف الثاني وكأنه ملكه أو غرض ثمين يملكه، وليس كائناً حراً له كيانه، وتفكيره، وخياراته المستقلة.
السيستم الداخلي للشخص التملكي يترجم الحرية الشخصية للطرف الآخر على أنها تهديد مباشر له، وعشان كذا، تجده دائمًا يردد عبارات المغلفة بالخوف والشك، ويحاول التحكم في أدق تفاصيل حياة شريكه: مع من يتكلم؟ وين يروح؟ وليه يبتسم؟ ليه يكلمهم؟
2. الشك الذي يهد الحيل وعدم الأمان الداخلي
التحليل النفسي العميق يثبت أن الشخص التملكي غالبا لا يعاني من مشكلة مع شريكه بحد ذاته او بشكل كامل، بل يعاني من حرب داخلية مع نفسه
التملك في حقيقته هو قناع يرتديه الخوف الشديد من الهجر (Fear of Abandonment)، وضغف الثقة بالنفس. الشخص الذي يحاول السيطرة التامة على الطرف الآخر، هو في الواقع يشعر بداخله بأنه "غير كافٍ او بحالات اخرى يرى انه كاف بزياده لدرجه الاغناء عن البقيه بحياه الشريك "، ويخاف إذا ترك لشريكه مساحة من الحرية والتعامل مع العالم، أن يكتشف أشخاصاً أفضل منه فيرحل ويتركه. لذلك، يصبح الخيار الأسهل لعقله المخترق بالقلق هو: "الحصار الفكري والعاطفي" لحماية نفسه من صدمة الفقد المتوقعة.
Last Seenالغيرة في عصر الـ
وفي هذا الزمن الرقمي، دخلت الغيرة والتملك ليفل جديد تماماً بفضل التكنولوجيا. صار الحصار ما يتطلب حضور جسدي زي قبل ونظرات وابتسامات بل تحول إلى رقابة إلكترونية صارمة تههد الحيل وتستنزف الطاقة
مراقبة متى كان "آخر ظهور"؟ وليه لم يرد فوراً؟
تحليل قائمة المتابعين، وتدقيق تفاصيل اللايكات والمشاهدات والتعليقات والمتابعين
هذا التدقيق الرقمي المستمر يحول العلاقة من مساحة أمان دافئة إلى "غرفة تحقيق" مستمرة، لا يخرج منها الطرفان إلا بإنهاك نفسي كامل، وصداع مزمن، وفقدان تام لـ متعة التواصل العفوي بسبب هوس التملك


