قيد القلوب غير المرئي: فلسفة التعلق العاطفي بين عمق المشاعر وسجن الروح
يرتبط الإنسان منذ لحظة ولادته الأولى بروابط شتى يبحث في تفاصيلها عن الأمان والسكينة والانتماء ، إلّا أن هناك خيطًا دقيقًا خفيًا ومتينًا يربط القلوب ببعضها لدرجة قد تتجاوز حدود التوازن النفسي؛ هذا الخيط هو مايسمى بالتعلق العاطفي إن التعلق في جوهره ليس مجرد عاطفة عابرة او خفيفه بل هو حالة نفسية ووجودية عميقة تستوطن الروح وتجعل بوصلة الإنسان الذاتية تدور في فلك شخص آخر ، تراه ارضها و سمائها ونفسَه وانفاسِه
قد يراه البعض مثير او جذاب او علامه مثاليه للوفاء ، لاكن الاغلب يجهل الارهاق النفسي الذي يحمله الشخص المُتعلق ، كل ثانيه من تفكيره تشغل بذالك الشخص ، يوقف مهامه و حياته لاجل عيناه
ماهو التعلق العاطفي: سيكولوجية الاحتياج
في البدء يجب أن ندرك أن التعلق العاطفي ليس دائمًا مرادفًا للحب بل هو في كثير من الأحيان حالة من الاحتياج الشديد المحمل بالخوف، الخوف من الفقد الخوف من الوحدة والخوف من مواجهة الذات دون وجود مرآة تتجلى فيها ، عندما يقع الإنسان في أسر التعلق فإنه يعيد ترتيب كونِهِ الداخلي ليصبح الشخص الآخر هو الشمس التي تدور حولها كواكبه ولتناسبه وتصبح كاله له ترضيه
إن أعمق أشكال العبودية هي تلك التي نختارها بمحض إرادتنا عندما نسلم مفاتيح سعادتنا الداخلية لشخص آخر وننتظر منه أن يفتح لنا أبواب الحياة أو يغلقها
كيف يختلف الحب عن التعلق؟
كثيرًا ما يخلط الناس بين الحب والتعلق، لكن الفارق بينهما كالفارق بين السماء والأرض
الحب : يمنحك الجناحين لتطير ويبني ثقتك بنفسك وبالآخر إنه عاطفة تتسم بالعطاء دون انتظار المقابل والحرية التي تجعل الطرفين ينموان معًا
التعلق : يكبلك بالقيود ويتغذى على الأنانية والتملك، في التعلق أنت لا تحب الشخص لذاته بقدر ما تحب شعور الأمان الذي يمنحك إياه وتخشى أن يزول
في الحب، أنت تريد للآخر أن يكون سعيدًا حتى لو لم تكن جزءًا من هذه السعادة أما في التعلق فأنت تريد الآخر لك وحدك لتسد به ثقوب روحك الخاوي
التعلق العاطفي في مرآة الشعر العربي
لطالما كان الشعراء العرب هم الفلاسفة الحقيقيين للمشاعر الإنسانية فقد غاصوا في أعماق النفس البشرية وصوروا التعلق العاطفي بأبهى وأصدق الصور لم يتركوا حالة من حالات الشوق، أو الوجد، أو ألم التعلق إلا وسكبوها في أبيات خلدها التاريخ ، اقرب وافضل مثال للتعلق العاطفي بالنسبه لشعراء العرب ،
تأمل معي ما قاله قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، الذي يمثل الذروة في التعلق العاطفي الذي يصل حد الهذيان بالذات والمكان حيث يقول في بيته الشهير
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى ... أُقَبِّلُ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفْنَ قَلْبي ... وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيارا
هذا التعلق تجاوز الشخص إلى الجمادات والمحيط فالجدران نالت حظًا من التقديس والتقبيل فقط لأنها جاورت محبوبه!!
وفي موضع آخر، يصف المتنبي عذاب هذا التعلق الذي ينهك الجسد والروح معبرًا عن عمق الوجد واللوعة التي يتركها الحب والتعلق في قلب صاحبها
لِعَيْنَيْكِ مَا يَلْقَى الفُؤَادُ وَمَا لَقِي ... وَلِلْحُبِّ مَالَمْ يَبْقَ مِنِّي وَمَا بَقِي
وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ... وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونِكِ يَعْشَقِ
أما ابن زيدون، في نونيته الخالدة، فيلخص حالة التعلق التي تحول الفراق فيها إلى جحيم مستعر
أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا ... وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
أَنَّ الزَمانَ الَّذي مازالَ يُضحِكُنا ... أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا
كيف نعرف الشخص المتعلق سواء يكون أنت ، او هو : مظاهر التعلق العاطفي
1-فقدان الهوية الذاتية
تذوب اهتماماتك وطموحاتك لتصبح مجرد صدى لاهتمامات الطرف الآخر ، انه مستعد لتقديس اهتماماتك ونسخها والهوس بها اذا اردت
2-الخوف المستمر من الهجر
تعيش في قلق دائم وترقب، يفسد عليك متعة الحاضر خشية فقدان مستقبله معك ، وغيره وتملك من ابسط الاشياء يشعر منها بتهديد وانهيار نفسي وذعر
3- التغاضي عن الإساءة
قبول الأعذار الواهية وتحمل الأذى النفسي فقط لضمان بقاء الآخر في حياتك ، مهما كانت الفعله يتقبلها بصدر واسع ويُرحب بها دائما وان لم تعطيه اعذار ، هو يعذُرك
طرق التحرر: من قيود الآخر إلى رحاب الذات
إن الشفاء من التعلق العاطفي المرضي لا يعني التخلي عن الحب تماما بل يعني إعادة ترميم الذات إنها رحلة شاقة لكنها ضرورية لاستعادة التوازن النفسي
الوعي والاعتراف: أن تدرك وتستوعب أن هذا التعلق يؤذيك ويحد من نموك الإنساني
ملء الفراغ الداخلي: التعلق غالبًا ما يغذي ثغرات داخلية (مثل قلة تقدير الذات - جوع عاطفي) لذا وجب ملء هذه الثغرات بالقراءة، والعمل، وتطوير الذات، وبناء علاقات صحية متعددة
التسليم والقبول: الإيمان بأن الناس ودائع في حياتنا يرحل من يرحل ويبقى من يبقى وأن وجودك وقيمتك لا يستمدان من وجود أي إنسان آخر
نختم هنا برائعة من روائع إيليا أبو ماضي الذي يدعو فيها إلى التحرر من الأوهام والتعلق بالماضي أو الخوف من المستقبل، مذكرًا الإنسان بأن يعيش بجماله الداخلي
أَيُّهَا الشَّاكِي وَمَا بِكَ دَاءُ ... كُنْ جَمِيلًا تَرَ الوُجُودَ جَمِيلَا
أَيُّهَذَا الشَّاكِي وَمَا بِكَ دَاءُ ... كَيْفَ تَغْدُو إِذَا غَدَوْتَ عَلِيلَا



"حالة نفسية ووجودية عميقة تستوطن الروح وتجعل بوصلة الإنسان الذاتية تدور في فلك شخص آخر" استوقفتني هذه العبارة لشدة جمالها ووصفها الدقيق للتعلق ،لم استطع ان امر عنها مرور الكرام دون ان اقرئها و اتمعن بها من شدة انبهاري بهذا التصوير البليغ و الدقيق .
اسير برتقال ولا اسير تفاح